تقلا: لبنان بات مجموعة قبائل طائفية ومذهبية تتناحر فيما بينها       قماطي لـ «الأنباء»: لقاء الحريري - نصرالله بات ممكناً في أي وقت       شمعون: نتفهم مواقف الحريري ولا مشكلة لدينا بالتأقلم معها       الحمراء تتغاوى أمام مرايا 2010       باريس تخشى خطف رهينة لمقايضتها بعبد الله       كنعان: لا يجوز أن تبقى أسئلة رئيس أكبر كتلة نيابية ونواب الكتلة بلا أجوبة       البنك الدولي: مؤسسات لبنان تعمل بظروف أفضل من الدول المجاورة       الحسن:مشروع الموازنة لا يحمّل المواطنين أعباء       
 
  الشيخ بشير بيار الجميل  
 
بشير ...لم يمرّ صدفة
 
بشير الجميل، الأيقونة التي لا تمسّ عند محبيّه والقائد الفذّ الذي ارتكب الهفوات غير المغفورة عند خصومه، حقّق في احدى وعشرين يومًا ما نصبو إليه منذ خمسة وعشرين عامًا. فترسخ في الذاكرة والضمير صوتًا لا يقوى عليه صوت وروحًا أبت الرحيل من الحلم بعدما غُيّبت قسرًا من ليس من كلمات وافية في هذا القائد والرئيس والإنسان الذي جمع في شخصه ثلاثية متوازنة ومتميّزة بالحقيقة "قولوا الحقيقة والصدق مهما كان الثمن وأعطوا كلّ واحد حقّه".
 
فكان القائد الذي حقّق لشعبه ومجتمعه النصر وحافظ على وجوده الحر في ظل عملية التهميش والإحتلال"نريد أن يخرج الوجود الغريب المسلح من لبنان". والرئيس الذي عرف كيف يجمع اللبنانيين ويُعجب خصومه قبل مؤيديه"المسلم اللبناني شريك لنا في هذه التركيبة فليتفضل ليجلس معنا". والإنسان المتواضع الذي سار مع رفاقه في الحياة والموت"نريد رئيسًا وقف ولو لمرة واحدة على قبر شهيد".

فبشير لم يمرّ صدفة إلى الأرض ولم يرحل عنها من دون دمغ تاريخه بعلامة إيجابية فارقة. حقّق مع رفاقه حرية لبنان الواحد واستقلاله واستطاع خلال الوقت القصير بين انتخابه رئيسًا واستشهاده تسمية مرض لبنان وتحديد علاجه إلى مساندة الشرعية اللبنانية بمؤسساتها وإداراتها وتنظيمها وبنائها، فضلاً عن التعامل مع مشاكل لبنان الداخلية والخارجية بكل شفافية وصدق من دون عمليات حسابية آنية أو تهميش فئة لحساب فئة أخرى أو المساومة على المبادئ "القضية اللبنانية هي قضية شعب حر على أرض محددة في وطن نهائي ودولة حرة حيث يمارس حياته الحضارية، المدنية والروحية والسياسية بكرامة وحرية وشجاعة".
بشير استطاع نقد ذاته والتعلم من الماضي لبناء المستقبل الذي أراده لشعبه. "مطلوب من جيلنا، منكم أن تضعوا حدًّا بين حاضركم والممارسات القديمة". فتغيّر سلوكه من مرحلة قيادة القوات اللبنانية إلى قيادة الوطن الذي حلم فيه ولم يحققه "سأحاول وهذا حلم آخر وضع الشخص المناسب في المكان المناسب". وقال لشبابه "يجب أن نقبل أن تكون السلطة أو الإدارة محترمة لأننا حين نتوقف عن احترام اداراتنا وسلطتنا نفقد احترام الآخرين لنا". وانتقل من الشاب الثائر إلى رجل الدولة الناضج في زمن عرف رجالات كبار وقياديين لهم أكثر ما له في ساحات السياسة والنضال. "لتكون لنا انضباطية ذاتية سليمة، فنطوي التقاليد الماضية ونبدأ احترام الأنظمة والقوانين في الأمور الصغيرة والكبيرة."
أشياء كثيرة كان من الممكن أن تتغيّر لو بقي بشير حيًّا، ربّما للأحسن أو للأسوأ. ولكن لا شكّ في أنّه كان قوّة ايجابية وسندًا حقًّا لبناء لبنان الجديد "هدفنا أن تعود السيادة على الـ10452 كلم2".فرؤيته الواضحة للأمور وقدرة استيعابه للواقع واستنباط الحلول حوّلته شخصية تاريخية يحتاج إليها أيّ شعب يرزح تحت أقدام الدول الإقليمية والغربية "لا نريد أن يبقى على الأراضي اللبنانية أي جندي غريب. لن نرضى بتقديم أي قطعة من لبنان إلى أيّ كان". ومثال الشاب الطامح الذي يعلن عمّا يريد صراحة وبكل ثقة ويعمل يدًا بيد مع رفاقه لتحقيق هذا الهدف. لذلك فإن من يرمه بحجر الشخصانية في القوات اللبنانية، غاب عن فكره أنّ الوطن بأسره تشتت بعد الإستشهاد وليس القوات اللبنانية فحسب. لأن الغياب المفاجئ لرمز القائد الرئيس شكّل صدمة كبيرة في نفوس اللبنانيين الذين رأوا أحلامهم تنهار تحت ردم بيت الكتائب في الأشرفية. وتناسى هؤلاء من جهة أخرى، أنّ بشير جمع من حوله كوكبة من المفكرين والمستشارين والقياديين الحزبيين والمسؤولين العسكريين، كما أسس مؤسسات إجتماعية ولجان عدّة من أجل مواكبة شؤون المواطن وشجونه.

وفي اليوبيل الأول لغياب الرئيس الجميل وعلى أبواب انتخاب رئيس جديد بعد استقلال 2005،لا بدّ من أن نسأل أي لبنان نريد. ولا يمكننا سوى العودة إلى حلم بشير. "نتمنى أن تقوم دولة قادرة وقوية، القانون فيها هو السلطان وصاحب الحقّ. والمساواة بين أبنائها هي العامل الأساس".
إنّها جنّة بشير المفقودة التي يبحث عنها شبابنا منذ زمن بعيد ويحلمون في تحقيقها يومًا. ولعلّ هذا الحلم البعيد هو مايفسّر استخدامهم خطابات الباش "كفشّة خلق" خلال فترة مقاومة الإحتلال السوري وبعده. لأنّها خطابات تعبر عن الواقع وهي الحقيقة التي يطوقون إلى سماعها.
سيرته الذاتية:
ولد الرئيس الشيخ بشير الجميل في العاشر من تشرين الثاني 1947 في بكفيا. هو الأصغر في عائلة تتكون من ستّة أولاد. أتم دراساته التأسيسية والثانوية في مدرسة سيدة الجمهور وبعدها في المعهد اللبناني الحديث. انضمّ في العام 1962 إلى مصلحة طلاب حزب الكتائب اللبنانية الذي أسسه والده الشيخ بيار الجميل.
تعرّض للخطف في العام 1970 من قبل مسلحين فلسطينيين في منطقة تل الزعتر في منطقة الدكوانه واطلق سراحه بعد ثمانية ساعات. كما اعتقلته القوات السورية في العام 1978 في منطقة الأشرفية لبعض الوقت ومن ثم أطلقت سراحه.
نال في العام 1971 شهادة في الحقوق وعيّن في العام نفسه مراقبًا في القوى النظامية الكتائبية. نال في العام 1972 اجازة من الأكاديمية الأميركية العالمية للحقوق. وفي العام 1973 شهادة في العلوم السياسية من جامعة القديس يوسف في بيروت. وقد علّم خلال دراسته الجامعية، مادة التربية المدنية للصفوف المتوسطة والثانوية في المعهد اللبناني الحديث وذلك لثلاث سنوات. كما عين نائب رئيس قسم حزب الكتائب في الأشرفية.
تزوّج في العام 1977 من صولانج توتنجي. ورزقا في العام 1978 بمايا التي استشهدت في ربيعها الثاني في انفجار كان يستهدف سيارة الشيخ بشير. وفي العام 1980 ولدت ابنته يمنى وفي العام 1982 ولد نديم.
أسسفي العام 1974 فرقة B.G. التي وقفت في وجه التسلح الفلسطيني. وعيّن في العام 1976 نائب رئيس المجلس الحربي واستلم رئاسته بعد استشهاد الرفيق البطل وليام حاوي في معركة تل الزعتر في الدكوانه. استلم رئاسة القوات اللبنانية التي جمعت القوى المسلحة في حزب الكتائب اللبنانية والأحرار والتنظيم وحراس الأرز.

بشير القائد عمل على تطوير الجناح العسكري في القوات اللبنانية، فدرب الشباب المسيحي في مؤسسة كان لها البعد الشعبي والسياسي. أبرز المؤسسات التي نظّمها الهيئات الشعبية في المناطق المحررة في بيروت الشرقية التي أمنت الخدمات الحياتية إلى تأسيس اذاعتين وتلفزيون ومطار صغير.
موقع بشير قائدًا للقوات اللبنانية أفسح في المجال أمامه لمقابلة مسؤولين عرب وأجانب لمناقشة رؤيته التغييرية والخلاصية للبنان. سافر إلى الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية للقاء المسؤولين ومحاولة ايجاد حلول لأزمة لبنان.
في 23 آب العام 1982 انتخب رئيسًا للجمهورية، وخلال الأسابيع القليلة قبل استلامه مقاليد الحكم، ترأس اجتماعات عدّة للتنسيق بين زعماء مسيحيين ومسلمين. لكن قبل أدائه يمين القسم امتدت يد الإجرام لخطف بشير وذلك في 14 أيلول العام 1982. إذ دوّى انفجار في مكتب حزب الكتائب اللبنانية في الأشرفية استشهد على أثره الشيخ بشير الجميل و26 رفيقًا في الكتائب اللبنانية.
وبعد التحقيقات في عملية الإغتيال اكتشف ضلوع عنصرين في الحزب القومي السوري الإجتماعي في الجريمة مدعومين من سوريا.
استشهد البطل بشير حلم الشباب والأمل في بناء وطن لكل أبنائه على مختلف طوائفهم وانتماءاتهم.
لكنه ما زال حلمّا في شباب حملوا شعلته وساروا في درب الجلجلة على رجاء القيامة. حملوها أينما وجدوا في العالم وآمنوا بأنّهم ملزمون تحقيق حلم القائد الرئيس. لأنّ أكبر خطيئة تُرتكب في حقّ بشير ورفاقه هي فقدان قيمة الشهادة والتنكر للرسالة التي من أجلها استُشهدوا.